ابن خلكان
388
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
كتبك تأتينا فننفذها ، قال : من هذا ؟ قال : أبو عبيد اللّه وزيري ، قال : احذره فإنه كذاب ، إني ما كتبت إليك ، ثم قام فقال له المهدي : إلى أين يا أبا عبد اللّه ، قال : أعود ؛ وكان قد ترك نعله حين قام ، فعاد فأخذها ثم مضى ، فانتظره المهدي فلم يعد ، فقال : وعدنا أن يعود فلم يعد ، فعلم أنه عاد لأخذ نعله ، فغضب فقال : قد أمن الناس إلا سفيان الثوري وإنه لفي المسجد الحرام ، فذهب فألقى نفسه بين النساء فخبأنه ، فقيل له : لم فعلت ؟ فقال : إنهن أرحم ؛ ثم خرج إلى البصرة فلم يزل بها حتى مات . قال عبد الرحمن بن مهدي : لما قدم سفيان البصرة والسلطان يطلبه ، صار في بعض البساتين ، وأجر نفسه على أن يحفظ ثمارها ، فمر به بعض العشارين فقال : من أين أنت يا شيخ ؟ قال : من أهل الكوفة ، قال : أخبرني رطب البصرة أحلى أم رطب الكوفة ؟ قال : أما رطب البصرة فلم أذقه ولكن رطب السابري بالكوفة حلو ، فقال : ما أكذبك من شيخ ، الكلاب والبر والفاجر يأكلون الرطب الساعة وأنت تزعم أنك لم تذقه ! فرجع إلى العامل ليخبره بما قال لتعجّبه ، فقال : ثكلتك أمك ، ادركه إن كنت صادقا فإنه سفيان الثوري لتتقرب به إلى أمير المؤمنين ، فرجع في طلبه فما قدر عليه . ودخل سفيان على المهدي فكلمه بكلام فيه غلظة فقال له عيسى بن موسى : تكلم أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام وإنما أنت رجل من ثور ، فقال له سفيان : إن من أطاع اللّه من ثور خير ممن عصى اللّه من قومك . وكان فتى يجالسه ولا يتكلم ، فأحب سفيان أن يعرف نطقه فقال له : يا فتى إنّ من كان قبلنا مروا على خيل سابقة وبقينا بعدهم على حمر دبرة ، فقال الفتى : يا أبا عبد اللّه ، إن كنّا على الطريق فما أسرع لحوقنا بهم . وحدث أبو بكر ابن عياش قال : كنت أنا وسفيان الثوري نمشي فرأينا شيخا أبيض الرأس واللحية حسن السمت ، فقال له سفيان : يا شيخ أعندك شيء من الحديث ؟ قال : لا ، ولكن عندي عتيق سنين ، فنظرنا فإذا هو خمّار . وحكى ضمرة قال : سألت سفيان الثوري : أصافح اليهود والنصارى ؟ فقال : برجلك نعم . وقال له رجل : إني أريد الحج ، فقال : لا تصحب من